محمد متولي الشعراوي
1838
تفسير الشعراوى
« وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ » لماذا ؟ لأنك تخرجهم عما ألفوا من أمور الجاهلية . والذي يخرج واحدا عما ألف لا يصح أن يجمع عليه إخراجه عما اعتاد بالأسلوب الخشن الفظ ؛ لأنه في حاجة إلى التودد وإلى الرحمة ، لا تجمع عليه بين أمرين تقبيح فعله ، وإخراجه عما ألف واعتاد ، ولذلك يقولون للذي ينصح إنسانا ، النصح ثقيل ؛ لأن النصح معناه تجريم الفعل في المنصوح ؛ فعندما تقول لواحد : لا تفعل هذا ، ما معناها ؟ معناها أن هذا الفعل سيئ ، فمادمت تجرّم فعله فلا تجمع عليه أمرين : إنك قبحت فعله وأخرجته مما ألف ، وبعد ذلك تنصحه بما يكره . لا ، إنه في حاجة إلى ملاطفة وملاينة لتستل منه الخصال القبيحة ، نحن نستعمل ذلك في ذوات أنفسنا حين نجد مرضا يحتاج إلى علاج مر ، فنغلف العلاج المر في غلاف من السكر بحيث يمر من منطقة الذوق بلا ألم أو نغص ، حتى ينزل في المنطقة التي لا تحس بهذه المرارة ؛ لأن الإحساس كله في الفم . فإذا كنتم تفعلون ذلك في الأمور المادية ، فلابد إذن أن نطبق ذلك أيضا في الأمور المعنوية ، ولأن النصح ثقيل فلا تجعله جدلا ولا ترسله جبلا ، وخفة البيان تؤدى عنك بدون إثارة أو استثارة ، وبلطف يحمل على التقبل . . بهذا تصل إلى ما تريد ، ومثال ذلك حكاية الملك الذي رأى في منامه أن أسنانه كلها وقعت ، فجاء للمعبر ليعبر ، فقال له : أهلك جميعا يموتون ، التعبير لم يسر منه الملك ، فذهب لواحد آخر فقال له : ستكون أطول أهل بيتك عمرا ، إنه التعبير نفسه ، فمادام أطول أهل بيته عمرا ، إذن فسيموتون قبله ، هي هي ، ولذلك قالوا : الحقائق مرة فاستعيروا لها خفة البيان . « وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ » إذن فبالرحمة لنت لهم وبلين القول تبعوك وألفوك وأحبوك . و « الفظّ » هو : ماء الكرش ، والإبل عندما تجد ماء فهي تشرب ما يكفيها مدة طويلة ، ثم بعد ذلك عندما لا تجد ماء فهي تجتر من الماء المخزون في كرشها وتشرب منه ، في موقعة من المواقع لم يجدوا ماء فذبحوا الإبل وأخذوا الماء من كرشها ، الماء من كرش الإبل يكون غير مستساغ الطعم ، هذا معنى « الفظّ » ، ونظرا لأن هذا يورث غضاضة فسموا : « خشونة القول » فظاظة ، والغلظ في القلب هو ما ينشأ عنه الخشونة في الألفاظ .